الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

10

تفسير روح البيان

في حيز المبتدأ اى ما كل واحد منهم محكوما عليه بحكم الا محكوم عليه بأنه كذب الرسل ويجوز ان يكون قوله ( أُولئِكَ الْأَحْزابُ ) مبتدأ وقوله ( إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ ) خبره محذوف العائد اى ان كل منهم فَحَقَّ عِقابِ اى ثبت ووقع على كل منهم عقابي الذي كانت توجبه جناياتهم من أصناف العقوبات المفصلة في مواقعها وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ الإشارة إلى كفار مكة بهؤلاء تحقير لشأنهم وتهوين لامرهم وما ينتظر هؤلاء الكفرة الذين هم أمثال أولئك الطوائف المذكورة المهلكة في الكفر والتكذيب إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً هي النفخة الثانية اى ليس بينهم وبين حلول ما أعد لهم من العقاب الفظيع الاهى حيث أخرت عقوبتهم إلى الآخرة لما ان تعذيبهم بالاستئصال حسبما يستحقونه والنبي عليه السلام بين أظهرهم خارج عن السنة الإلهية المبنية على الحكم الباهرة كما نطق به قوله تعالى ( وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ) ثم إن الانتظار يحتمل ان يكون حقيقة أو استهزاء فهم وان كانوا ليسوا بمنتظرين لان تأتيهم الصيحة الا انهم جعلوا منتظرين لها تنبيها على قربها منهم فان الرجل انما ينتظر الشيء ويمد طرفه اليه مترقبا في كل آن حضوره إذا كان الشيء في غاية القرب منه ما لَها مِنْ فَواقٍ اى ما للصيحة من توقف مقدار فواق ففيه تقدير مضاف هو صفة لموصوف مقدر . والفواق بالضم كغراب ويفتح كما في القاموس ما بين حلبتى الحالب من الوقت لان الناقة تحلب ثم تترك سويعة يرضعها الفصيل لا درار اللبن ثم تحلب ثانية يعنى إذا جاء وقت الصيحة لم تستأخر هذا القدر من الزمان كقوله تعالى ( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً ) * وهو عبارة عن الزمان اليسير وفي الحديث ( من اعتكف قدر فواق فكأنما أعتق رقبة من ولد إسماعيل ) وفي الحديث ( من قاتل في سبيل اللّه فواق ناقة وجبت له الجنة ) وفي الآيتين إشارة إلى تسلية قلب النبي عليه السلام وتصفيته عن الاهتمام بكفار مكة لئلا يضيق قلبه من تكذيبهم ولا يحزن عليهم لكفرهم فان هؤلاء الأحزاب كذبوا الرسل كما كذبه قومه وكانوا أقوياء متكثرين عددا وقومه جندا قليلا من تلك المتحزبين ثم إنهم كانوا مظهر القهر وحطب نار الغضب ما اغنى عنهم جمعهم وقوتهم أبدانا وكثرتهم أسبابا فكذا حال قريش فانتظارهم أيضا اثر من آثار القهر الإلهي ونار من نيران الغضب القهارى وَقالُوا بطريق الاستهزاء والسخرية عند سماعهم بتأخير عقابهم إلى الآخرة والقائل النضر بن الحرث بن علقمة بن كندة الخزاعي واضرابه وكان النضر من شياطينهم ونزل في شأنه في القرآن بضع عشرة آية وهو الذي قال ( فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ) رَبَّنا وتصدير دعائهم بالنداء للامعان في الاستهزاء كأنهم يدعون ذلك بكمال الرغبة والابتهال عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ القط القطعة من الشيء من قطه إذا قطعه والمراد هنا القسط والنصيب لأنه قطعه من الشيء مفرزة قال الراغب أصل القط الشيء المقطوع عرضا كما أن القدّ هو المقطوع طولا والقط النصيب المفروض كأنه قط وافرز وقد فسر ابن عباس رضى اللّه عنهما الآية به انتهى . فالمعنى عجل لنا قسطنا وحظنا من العذاب الذي توعدنا به محمد ولا تؤخره إلى يوم الحساب الذي مبدأه الصيحة المذكورة ويقال لصحيفة